جعفر بن علي الدمشقي

17

الإشارة إلى محاسن التجارة وغشوش المدلسين فيها

أخر لا يتّفق أن يحتاج هذا إلى ما عند ذاك ويحتاج ذاك إلى ما عند هذا في وقت واحد فتقع الممانعة بينهما وإن وقع الاتّفاق بينها في حاجة كلّ واحد منهما إلى ما عند صاحبه لم يقع بينهما اتّفاق في أن يكون يحتاج هذا ممّا بيد ذاك إلى ما يكون قيمته مقدار ما يحتاج إليه ذلك ممّا في يد هذا لا يزيد ولا ينقص فإنّه قد تكون حاجة صاحب القمح مثلا إلى رطل زيت وحاجة صاحب الزيت إلى حملي قمح ، وقد تكون حاجة صاحب القمح إلى زيت كثير وحاجة صاحب الزيت إلى قمح قليل فيقع الاختلاف بينهما إذ ذاك ، فنظرت الأوائل في شيء يثمّن به جميع الأشياء فوجدوا جميع ما في أيدي الناس إمّا نبات أو حيوان أو معادن ، فأسقطوا النبات والحيوان عن هذه الرتبة ، لأنّ كلّ واحد منهما مستحيل يسرع إليه الفساد . وأمّا المعادن فاختاروا منها الأحجار الذائبة الجامدة ثم أسقطوا منها الحديد والنحاس والرصاص . فأمّا الحديد فلإسراع الصدأ إليه ، وكذلك النحاس أيضا . وأمّا الرصاص فلتسويده وإفراط لينه فتتغيّر أشكال صورته ، وكذلك أسقط بعض الناس النحاس لما يركبه من الزنجار وطبعه بعض الناس كالدرهم فإنّهم عملوا منه فلوسا يتعاملون بها . ووقع إجماع الناس كافّة على تفضيل الذهب والفضّة لسرعة المواتاة في السبك والطرق والجمع والتفرقة والتشكيل بأيّ شكل أريد مع حسن الرّونق وعدم الروائح والطعوم الرديئة وبقائهما على الدفن وقبولهما العلامات التي تصونهما وثبات السمات التي تحفظهما من الغشّ والتدليس فطبعوهما وثمّنوا بهما الأشياء كلّها ورأوا أنّ الذهب أجلّ قدرا في حسن الرونق وتلزز الأجزاء والبقاء على طول الدفن وتكرار السبك في النار